رسالة فان كوخ المفقودة ”الكنز في الرحلة"


هناك احتمال اخر لتتويج مسعانا بغير الهزيمة، ما دمنا اننا لن نموت قبل ان نحاول ان نحيا- رضوى عاشور

الرحلة صعبة،طويلة، لكننا نأمل خلالها ان نحصل على سعادة ولو مؤقتة، نقول ان الأفضل قادم ولم يحن وقت اكتشاف الكنز، نجري املا في اللحاق بالساعات الأخيرة من الحفل الذي لم يكتب لنا ابدا
ربما هذا لم يدركه فان كوخ ربما كان عليه الانتظار ليحضر الحفل ويشهد أعظم انتصاراته خلال رحلته ويلقى التقدير الكافي، لكنه لم يفعل ذلك
رسالته الأخيرة
تقدم العمر بنا، غدونا أكثر تعلقا بها (الحياة)… لأجل ذلك أغادرها في أوج اشتعالي.. ولكن لماذا؟! إنه الإخفاق مرة أخرى. لن ينتهي البؤس أبداً..وداعاً يا ثيو، “سأغادر نحو الربيع”
تلك كانت اخر كلمات فينسينت في رسالته لأخيه قبل انتحاره، لم يعش الحياة السعيدة قط

حياته
ولد فينسينت فان كوخ عام 1853 بهولندا ، عند النظر لسيرته يمكن تلخيصها في ثلاث مشاهد

الأول : مشاهدة قبره يوميا 

ولد بعد عام من وفاة اخيه الأكبر الذي حمل نفس الأسم “ فنسينت “ فكان يمر على قبره يوميا عند ذهابه للكنيسة حيث يعمل أبيه، مؤلم على طفل مثله ان يمر بجوار قبرٍ محفور عليه اسمه وكأن القدر يناديه باستمرار، هذا الحدث اليومي أثر سلبيا على نفسيته التي زادت سوءا نتيجة اهمال والديه له، كان يحاول تعويضهم عن موت أخيه لكنه فشل وبدأ بالأنعزال
.حياته كطفل لم تختلف عن حياته في اخر أيامه من ارتباطه الشديد بالطبيعة وبأخيه ثيو لكن في الحادية عشر من عمره ذهب الي مدرسة داخلية وترك وراءه الأثنين (الطبيعة وأخيه ) والوضع أصبح أكثر سوءا.

عندما وصل لسن المراهقة بدأ في العمل كبائع لوحات ثم امين مكتبة ثم مدرس كان يحاول ارضاء ابيه ويصبح موظفا لكن الفشل كانت يلاحقه دائما طرد من جميعهم مما اغضب ابيه فطرده من المنزل
اتجه بعدها للتدين والانعزال وذهب ليكون واعظ ديني في احد مصانع الفحم لكنه كسابق محاولاته فشل. فنسينت حاول منذ الصغر ارضاء عائلته لكن لم يرجع سوى بالحزن والفشل المستمر
وصل لسن ال 27 بلا شئ

الثاني: “الجنة التي بحث عن كثيرا"

اتجه للرسم، وجد ان هذا هو الملاذ الأخير له، تدرب بالأيام والشهور يرسم كلّ نهار، من الثامنة صباحًا وحتى الخامسة مساءً، حتى وصل لأول لوحاته الجيدة “ آكلو البطاطا “



 كتب فان جوخ  في رسالة إلى أخيه ثيو عن هذه اللوحة : “لقد أردت فعلاً أن أجعل الناس يتصورون أن هؤلاء الناس الذين يأكلون البطاطا على  ضوء  مصباحهم الصغير ، قد حفروا الأرض بأنفسهم بهذه الأيدي التي يضعونها في الطبق ليحصلوا على البطاطا ، و أنهم بذلك قد حصلوا على طعامهم بصدق” .

ظل سنين من الرسم وكتابة الرسائل لأخيه، حاول ان يعوض ما فقده وما مر به في حياته ووضعه في لوحاته دائما، حياته التي لم تخلوا من علاقات الحب والتي كما توقعت انت الان ايضا “فشلت “
«دائمًا ما خرجتُ من قصصِ الحب مُحمّلًا بالعار»
هكذا وصف علاقات الحب التي مر بها كان يقول «إن الأشخاص الذين لا يقومون بشيء في حياتهم سوى الوقوع في الحب، هم وحدهم الجادون بشأنه، باعتباره واجبًا مقدسًا، أكثر من هؤلاء الذين يضحُّون بالحب وبقلوبهم من أجل فكرةٍ طارئة؛ فكوني مثلهم ما استطعتِ»
 ربما كان يعزي نفسه انه لم يجد الحب، في الحقيقة انه لم يجد شيئا لا الحب ولا غيره حتى الجنة التي بحث عنها في لوحاته لم تكتمل.
وصل لأخر فصولها . اضطراب كبير حدث له من الواضح أن الهزيمة تحاوطه من جديد، بُعد اخيه عنه بسبب الزواج، لا وجود لاصدقاء ولا حبيبة؛ كان وحيداً لا يعرف ما الذي يجب عليه فعله لكن ربما اي شئ عدا قطعه لجزء من اذنه



وصفه الناس بعدها بالمجنون. اختلف الكثيرون عن السبب فالبعض قال انها بسبب غضبه واخرين قالوا انه قطعها ليهديها لصديقته التي طلبتها قبل ذلك على سبيل الفكاهة
لكن هذه الحادثة نتجت انه ذهب الي المصحة النفسية وقضى فيها عام كامل، كان يقول ان الرسم هو الشئ الذي هون عليه كل ايامه، اما الرسم او الموت.

الثالث: “ وداعه الأخير ورسالته المفقودة "

خرج من المصحة ولكنه كان مريضا يعرف ان ايامه ليست بالكثيرة ويدرك كما كان يقول ان مثله خلق ليكون وحيدا
اخر لوحاته ” حقل القمح والغربان ” سماء تتحول للون أسود كأنه يوحي بما هو قادم “ انتحاره “



قرر الأنسحاب. ذهب في صباح يوم الي حقل القمح القريب من الفندق الذي كان يمكث فيه ، كتب رسالته الأخيرة، احاول تخيل ما كان يدور برأسه في هذة اللحظة ربما كان يقول
" كان من الممكن ان أعيش حياة جيدة على الأقل، لم أجد عائلة ولا اصدقاء عشت بلا هدف رسامًا بائس يرسم طبيعة ليست أفضل حالاً مني لكنها كانت أوفى رفاقي طوال حياتي، حاولت الاستمرار لكن خيبات الأمل تتوالى على رأسي، أفضل الهزيمة والاختفاء بهدوء كما عشت، كلي أمل ان اجد حياة اخرى بعد الموت أفضل من هذه التي عشتها وحيدًا ".
 وجه المسدس نحو صدره، بدأ ينزف كثيرا، مشى الي الفندق وظل فيه يومان حتى فارق الحياة

غادر وهو ناقم على نفسه طلب في فترة من اخيه ان يتخلص من جميع لوحاته ولم يدرك انها الكنز العظيم الذي اخرجه لنا في رحلته
اشتهر فان كوخ بعد وفاته بسنوات قليلة وأصبح من أعظم الرسامين على مدار التاريخ

رسالته المفقودة
ربما كان يجب عليه ان يكتب رسالة آخرى يقول لنا:
“  تمسكوا بشغفكم واسعوا وراءه لأنه سيكون الملاذ الوحيد لك حينما تفقد كل شئ”

تعليقات